صُحبتي مع الكتابة
قصّة بدايتي الكتابة من أناشيد الطفولة إلى الترجمة.
بينما كنت أفكر في نعمة الكتابة وحبي إياها، وطموحاتي الكثيرة فيما أريد كتابته؛ بزغ في خاطري سؤال فتح سيلًا من الذكريات وهو: متى بدأت أكتب؟
إن المواهب كالأخلاق، قد يُجبل الإنسان عليها ويؤتى سُبلها فما يبقى إلا أن يمارسها ويهذبها بالعلم والعمل، أو قد تُكتسب. وأراني قد وُهبتها؛ فمنذ عقلتني أراني رقيقة الإحساس، وأظنها الصفة التي يتقاسمها كل المبدعين.
كنت التي تلحظ دقائق الأشياء، كأن في جوفها قلبين لا واحدًا، تقرأ في وجوه الناس وتعابيرهم ما يشعرون، تتفرس أخلاقهم وعقولهم، تفرط في التفكير والتحليل، وربما رأيت الكتابة مستراحًا ومتنفسًا لأني ما استطعت التعبير عن خلجات نفسي وأحاسيسها لأحد ولم أجد سبيلًا حتّى انسلّت الكلمات من قلمي أول مرة.
بدأت أكتب مذ كُنت في الابتدائية، كنت أكتب قصائد -كما كنت أظنها- وأؤلف الأناشيد، للمدرسة وللمعلمات، بل كتبت لمدينتي كذلك، لكن موهبتي هذه لم يُلق لها بال-والحمد لله أنهّا درست- إذ بيني وبين الشعر ما بين المشرق والمغرب! ثم أذكر أني كتبت مقالة في يوم اللغة العربية وأنا في الصف الخامس أو الرابع. وجدت الورقة صدفة بعد سنين في حقيبة أبي التي يُخبأ بها كل الأوراق الثمينة وما أعلم كيف وصلت هُناك، ولمّا قرأتها استعجبت أني بذاك العمر كتبتها! وقد أعجبت المعلمات حينها، ليتها بين يدي حتّى أريكم هي.
ثم شرعت في كتابة القَصص، أظن أول قصة كتبتها كانت في الصف الخامس، واستمررت إلى المتوسطة.
مرة في مخيم دعوي كان يُقام في مهرجان الربيع، وفيه مختلف الأنشطة، كنت أحضره يوميًا مع أختي الكبيرة، وكانت مسابقة لأفضل قصة قصيرة، فكتبت واحدة، وفزت بالمركز الأول، وما زلت أذكر الهدية إذ كانت ساعة من سواتش، وظلّت لدي إلى قبل سنوات. كان آخر عهدي بالكتابة القصصية في المتوسطة، أما في الثانوية والجامعة فكنت أكتب خواطرَ بين الحين والآخر أنفث فيها عمّا في صدري، لكن العودة الحقّة إلى الكتابة كانت بعد تخرجي من الجامعة، بعد أن أحياني الله من بعد مماتِ، أي بعد أن شُفيت من الاكتئاب الذي قاسمني معيشتي قرابة السنتين. عُدت بعدها لكتابة القصص، والخواطر والأفكار والأدب، بل وبدأت في نوعٍ جديد لم أجربه قبلًا، وهي كتابة المقالات، فكان أول ما كتبت مقالة اسمها (الإنسانوية مركزية الطاغوت المتأنسن.) كتبتها حرقة على من تلوّث بهذه الأفكار وهو جاهل، وحرقة على نفسي إذ كنت ممّن تلوث بهذا من حيث لا يشعر، وما صحح لي أفكار هذه بدءًا إلا كتاب الله تعالى، لا كتاب فكري ولا فلسفي ولا ديني ولا غيره، وما قصدت ذلك حين كنت أحفظ كتاب الله، لكنّي وجدت من الخير الكثير ومن تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة ما الله به عليمّ وتلك بركة الكتاب، وذلك هو الهدى والشفاء الذي ذكره الله [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ] (يونس:57). ومقالاتي الأولى تنوعت بين الفكرية والأدبية، وإن كانت ممّا أخجل من أسلوبي وعلمي ولغتي حينها، وهو إحساس غير مستنكر؛ فالإنسان يبدأ بمقدرته وعلمه حينها، ثم ما يلبث أن يتدرج فيُحسن ويزداد علمًا كلمّا عكف على الشيء، فينظر إلى القديم ويخجل لأنه يقارن نفسه اليوم بنفس الأمس، وقد ينسى أنّ نفسه بالأمس هي ما صنعت نفسه اليوم! ومن هذا تعلّمت ألا أظن أنّي بلغت مبلغ الشيء وملكت زمامه؛ فما يعجبني اليوم من نفسي وأراه آية سأستعجب منه غدًا أو أضحك! وهذا ممّا يهذب نفس الإنسان أيا كانت صنعته، وكذلك يريه نعمة الله عليه وفضله فيما وصل إليه. ثم توسعت في المقالات بين الدينية والفكرية واللغوية والأدبية، وهي منشورة هنا وهناك.
وكانت بداية عودتي إلى القصص قصتي (إلى الشمس) وهي عزيزة على نفسي، وقصتّها أن جرير أعلنت عن مسابقة للقصة القصيرة، وكنت وقتها أبحث عن محفزٍ للعودة إلى الكتابة فأخذتها سببًا لأكتب، وما أشغلت نفسي بالفوز من عدمه فقلت إن فزت فرحت، وإن لم افز فحسبي إنجازي بكتابتها، وتأهلت فيمن تأهلن في المرحلة الأولى لكنها لم تتأهل للنهائيات. أردت بكتابتها الحديث عن محاور عدة منها: المادية التي طغت على حياة الإنسان، والاكتئاب، والعائلة والصداقة. وهي منشورة الآن وكابدت في نشرها عناءً إذ كنت أراسل الدور فلا أجد ردًا بحقٍ ولا باطل، وكنت أعلم أن عالم النشر يُحب المشاهير لأجل الربح، فكنت لا أراسل الدور التجارية التي لا تهتم إلا لأن تدفع ولا تقرأ ما كتبت، ومكثت على ذلك مدة حتى يئست، فتنازلت عمّا عزمت وراسلت تلك الدور، والآن بعد طباعتها بسنين علمت أن مبادئي تلك كانت الحق، وتنازلي عنها ما أورثني شيئًا إلا أنّي زهدت بكتابي لأسباب كثيرة. لكنّه واقع دور النشر التي يعرفها كل كاتب قد جرّب!
وجنسٌ آخر من الكتابة أحببته ولعلّ بعضكم لا يراه كذلك؛ الترجمة. أحببتها منذ كنت في الجامعة، فكنت آخذ مقتطفات من مانجا أحبها فأترجمها. أحببت الإبداع في نقل ما تقرأ إلى لغتك، لأنه فنٌ لا يستطيعه كل أحد، ولا أقصد تلك الترجمات السامجة المباشرة التي حلّها الذكاء الاصطناعي اليوم، بل هي أشبه بأن تكتب النص مجددًا وتنقل مقصده وشعوره وظاهره وباطنه إلى أهل لغتك كي يلامسهم كأنما كتب بهذه اللغة بدءًا، ألا يكون غريبًا عنهم ما خلا أعجمية الأسماء والأماكن. وانتقلت نقلة كبرى في عام 2024 حين شرعت أترجم كتابًا. وفي الترجمة أميل إلى الأدب لأني كما ذكرت آنفًا أراه فنًا، ولا يخرج الفن حق خراجه إلا في الأدب، فاخترت رواية لجيمس بيري، اسمها العصفور الأبيض، وهي أول رواية ذُكر فيها بيتر بان قبل روايته المنفصلة، عشت معها 7 أشهر في ترجمتها الأولية، سافرت معي حتّى بريطانية وكنت أتردد في مقاهيها فأقتطع الوقت لأترجم، حتّى أني ترجمت جزءًا منها في حديقة كنسنتن وهي التي حدثت فيها جلّ أحداث الرواية وكانت منبع أساطيرها، وصورت نسخة الكتاب عند مجسّم بيتر بان هناك



وسأصور كتابي المترجم بإذن الله هناك كذلك.
ورافقتني في البوسنة كذلك وترجمت أكثرها في الحافلة التي كانت تنقلنا. وتجربتي هذه جعلتني أكتشف هذه الصنعة الممتعة التي أطمع التوسع فيها أكثر، ولحبي الترجمة والإنجليزية بزغت في خاطري فكرة دراسة الماجستير في هذا التخصص، على أني ذات المرأة التي تكره التعليم الأكاديمي وجموده! لكن هذه هي الحياة، قد لا تجد ما تحب إلا فيما تكره! لكنّها الجامعات عندنا وغرابة شروطها، إذ تشترط امتداد التخصص، ولا أفهم هذا الشرط، ألا يكفي أن أجلب لك اختبارًا بإتقاني للغة؟ ألا تكفي مخرجاتي واهتمامي كي أدرس؟ لا أراه إلا إهدارًا للمواهب، ويمتد هذا التخصيص حتى في الشهادات والاعتمادات؛ يريدون أن تكون لديك شهادة بكالريوس في الترجمة! ولا يكفي مخرجاتك وعلمك وتطبيقك ودوراتك! وآمل أن يتغير هذا يومًا، وعلى العكس حين بحثت عن جامعات في الخارج وجدت كثيرًا منها لا يشترط، يكفيهم ما هو أهم؛ الأيلتس وما شابه، وتعال تعلّم! رغم أن كلا الخيارين مدفوعة وليست مجانية.
لكنّ حب العلم والتعلم يسير منّي مجرى الدم؛ فلن يثنوني بإذن الله، ولعلي أجد عشرات الطُرق التي تأخذ المواهب لا الشهادات!
وإلى هنا، هذه قصتي التي بدأت في عمر صغير، وأرجو أن ترافقني طوال عمري، أنيستي، ومتنفسي، وأثري الذي أريد بقاءه.
حتى هذه المقالة أكرهت نفسي على كتابتها وإكمالها كي لا يُقطع حبلنا! إذ بدأتها منذ 6 أشهر ربما، وكتبتها على دفعات، منذ هبّت رياحها فاغتنمتها وبدأتها، حتى في أيامي المتململة والصعبة، إلى اقتناص هذه الساعة لإنهائها وابني نائمٌ.
وكما قال القائل "أكتب لكيلا يُحمل نعشي مثقلًا بالكلمات".

قلبٌ دهاق، عقلٌ لا يسكَن، روحٌ صُبغت بالرمادي. هُنا أفكّر وأدوّن.